عدد رقم 1 لسنة 2024
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
أجواء ميلاديّة ...  

لماذا بيت لحم؟

في بيت لحم اليهوديّة، في هذا المكان وُلِد ربّنا يسوع المسيح. وقد صارت أشهر مكان في العالم بلا منازع.

لكن لماذا بيت لحم بالذّات؟

هذا الأمر يأخذنا بعيدًا، لكي نتعرّف على هذه القرية في الكتاب المقدّس، فسنجد أنّها ذُكرَت 35 مرّة في 11 سفرًا من أسفار العهد القديم على مدى 1100 سنة، وسنجد أنّ بعض القصص الهامّة والمؤثّرة ارتبطت بهذه القرية ولهذا الغرض.

بداية، تعرّفنا ببيت لحم، سنجدها في سفر التكوين أصحاح 35، الّذي يحكي لنا عن أطول مرّة يتحدّث فيها عن موت امرأة في خمسة أعداد كاملة، عن موت راحيل ... محبوبة يعقوب الغالية ... حُرِمَت الأولاد، وكانت تنظر أختها ليئة المكروهة وهي تنجب الطّفل بعد الآخر ... وجاء الميعاد الّذي فيه أعطاها الرّبُّ طفلًا أسمَتْهُ: "يوسف"، قائلة: «قَدْ نَزَعَ اللهُ عَارِي ... يَزِيدُنِي الرَّبُّ ابْنًا آخَرَ» (تك30: 22-24).

وأثناء الولادة في الابن الآخر تعسَّرت الولادة، وولدت ابنها بعد أن كانوا قد رحلوا من بيت إيل إلى أَفْرَاتَةَ الّتي هي بيت لحم، أخبرتها القابلة ألّا تخاف، فهذا أيضًا ابن لكِ، لكنّها كانت في حالة الموت فدعت اسمه «بِنْ أُونِي» أيّ ابن وجعي أو حزني، وأمّا أبوه فدعاه «بِنْيَامِينْ» أي ابن يدي اليمين، أيّ القوة. وكِلا الاسمَين يحملان نبوّة ما أروعها ... بن أونى يكلِّمنا عن "رجل الأوجاع ومختبر الحزن" (إش53). والاسم الثّاني بنيامين ابن يدي اليمين أي ابن القوّة، فعند مباركة يعقوب لأولاده وصل إلى بنيامين وقال: «بَنْيَامِينُ ذِئْبٌ يَفْتَرِسُ. فِي الصَّبَاحِ يَأْكُلُ غَنِيمَةً، وَعِنْدَ الْمَسَاءِ يُقَسِّمُ نَهْبًا» (تك49: 27) ... وهو ما سيحدث مستقبلًا بعد اختطاف الكنيسة.

ماتت راحيل، فنصب يعقوب عمودًا على قبرها، ولا توجد في الكتاب امرأة نُصب لها عمود على قبرها سوى راحيل.

وبعد 1100 سنة نجد إرميا يتكلّم عن هذه القرية قائلًا: «هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: صَوْتٌ سُمِعَ فِي الرَّامَةِ، نَوْحٌ، بُكَاءٌ مُرٌّ. رَاحِيلُ تَبْكِي عَلَى أَوْلاَدِهَا، وَتَأْبَى أَنْ تَتَعَزَّى عَنْ أَوْلاَدِهَا لأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمَوْجُودِينَ» (إر31: 15).

وهذا يقودنا إلى أن نذهب إلى إنجيل متى في العهد الجديد، الّذي يخبرنا عن ماذا حدث في هذه القرية عندما ولد فيها الرّبّ يسوع، وانزعج هيرودس واغتاظ، بعدما اعتقد أنّ المجوس سخروا به، فأرسل وقتل جميع أطفال بيت لحم من جيل سنتين فما دون، وهذا ما دُوِّن في النّبوّة السّابقة.

الله ليس مسؤولًا عن هذه المذبحة ... لكنّه أرسل رئيس الحياة، لكي يجعل أولئك الّذين ماتوا يعيشون إلى الأبد.

لكن نذهب إلى سفر آخر يحكي لنا قصّة - ما أروعها - حدثت في بيت لحم، وكيف هناك وُلد الّذي يفدى الميراث... فيقدم لنا راعوث الموآبيّة وارتباطها ببوعز، ونتيجة لهذا الزّواج يأتي اسم يسَّى الّذي سيولد منه داود. والّذي ولد في بيت لحم في إنجيل متى هو «ابن داود». ليس ليملك على إسرائيل كداود فقط، بل ليملك على العالم كلّه "مَلِكُ الْمُلُوكِ وَرَبُّ الْأَرْبَابِ"... يا لها من قرية غاية في الشّهرة والأهمّيّة!

لقد ذهب صموئيل النّبيّ (1صم16: 12)، إلى بيت لحم بأمر الرّبّ ليختار له مَلِكًا على إسرائيل بدل شاول ... ووقع الاختيار على الثّامن من أولاد يسَّى البيتلحمي؛ وهو داود ... والّذي سنتقابل مع نسله ونعرف مَن هو ابن داود الحقيقيّ، شخص الرّبّ يسوع المسيح (مت 1).

لكن أروع نبوّة في كلّ الكتاب الّتي نقرأها في نبوّة ميخا عن هذه القرية: «أَمَّا أَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمِ أَفْرَاتَةَ، وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَنْ تَكُونِي بَيْنَ أُلُوفِ يَهُوذَا، فَمِنْكِ يَخْرُجُ لِي الَّذِي يَكُونُ مُتَسَلِّطًا عَلَى إِسْرَائِيلَ، وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ، مُنْذُ أَيَّامِ الأَزَلِ» (مي5: 2). حدّدت هذه النّبوّة مكان الولادة بالتّحديد. وهذه النّبوّة قيلت قبل أن تحدث بـ 600 سنة، قبل الميلاد. يا لها من نبوّة رائعة تحدّد أنّ هذه القرية لم تعد صغيرة بين آلاف القرى في يهوذا؛ والسّبب يكمن في الشّخص العظيم الّذي سيشرّفها بوصوله فيها. ولذا فهي ستكون أشهر مكان في العالم كلّه.

لكن لا يفوتنا أن نتأمّل في الاسم المزدوج: بيت لحم – أَفْرَاتَةَ.

بيت لحم أي بيت الخبز والشّبَع؛ أَلسنا نجد هذا في إنجيل يوحنا: «أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ» (ص6) سبع مرّات؟

أمّا أَفْرَاتَةَ فهي تعني الإثمار ... ومَن هو مُثمر مثله؟ ... «اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ الْحِنْطَةِ فِي الأَرْضِ وَتَمُتْ فَهِيَ تَبْقَى وَحْدَهَا. وَلكِنْ إِنْ مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ» (يو12: 24) ... وهو نفسه يطالبنا في (أصحاح 15 من إنجيل يوحنا) أن نثمر، ونثمر كثيرًا، ونثمر ثمرًا أكثر.

في هذا المكان لَبِسَ الرّبّ يسوع لحم ودم بشريّتنا ... في هذا المكان تمّم الإرساليّة العظمى الّتي قبلها من الآب؛ أن يترك دوائر المجد إلى أحقر مكان ... ويا لها من طاعة عجيبة: «حِينَئِذٍ قُلْتُ: هأَنَذَا جِئْتُ. بِدَرْجِ الْكِتَابِ مَكْتُوبٌ عَنِّى: أَنْ أَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا إِلهِي سُرِرْتُ، وَشَرِيعَتُكَ فِي وَسَطِ أَحْشَائِي» (مز40: 7).

عندما كتب متى كان ينظر إلى الوراء إلى ميخا ... ثمّ إرميا، كان ينظر إلى الحدث الّذي كُتِبَ في (سفر التكوين 35) حيث وَلَدت راحيل بنيامين.

نعم، هذا المكان من شدّة أهمّيّته كانت عين الله عليه وهو يخلق العالم ... في هذا المكان سيولد ابنه الحبيب، كما كانت عينه أيضًا على رابية الجلجثة حيث كان سيُصلَب أيضًا هناك.

ومن هذا المكان يأتي الملايين من البشر كسائحين لينظروه، ويتأمّلوا كيف في هذا المكان العجيب الّذي اختاره الله أزليًّا لكي يصل إلى العالم فادي البشريّة.

لقد كان مشوار حبٍّ عجيب أن يأتي إليك - قارئي العزيز - ربّ المجد مُخلّيًا نفسه آخذًا صورة عبد مقدّمًا لك أحلى خبر أن: «إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَلاَ يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ، بَلْ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ» (يو5: 24) ... لقد ولد في هذه القرية البسيطة، والّتي كان سكّانها وقتها لا يتجاوز الألف نسمة ... «وُلِدَ لَكُمْ الْيَوْمَ مُخَلِّصٌ فِي مَدِينَةِ دَاوُدْ». فهل تعرّفت عليه؟ أم المناسبة تجعلك مجرّد فرِحًا ومعيِّدًا شكليًّا فقط وليس روحيًّا؟ وهل قَبِلْتَ أن يولد في قلبِكَ وتجعله يدخل حياتك لتصبح خليقة جديدة في المسيح؟ ... هل تعلم أنّه أتى خصّيصًا لأجلك ... لأجلك أنت وحدك ... حتّى لو لم يكن خاطئ آخر في كلّ العالم إلّا أنت، كان سيولد ويتمّم العمل ويذهب للصّليب، لأجلك أنت؛ لأنّه أحبّك أنت.

راجع معي ما أشار إليه الرسول بولس وهو يكتب هذه العبارة الهامّة: «صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ وَمُسْتَحِقَّةٌ كُلَّ قُبُول: أَنَّ الْمَسِيحَ يَسُوعَ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ لِيُخَلِّصَ الْخُطَاةَ الَّذِينَ أَوَّلُهُمْ أَنَا. لكِنَّنِي لِهذَا رُحِمْتُ: لِيُظْهِرَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ فِىَّ أَنَا أَوَّلًا كُلَّ أَنَاةٍ، مِثَالًا لِلْعَتِيدِينَ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ» (1تي1: 15، 16)، كأنّه يخصّص مجيء المسيح له شخصيًّا، حتّى لو لم يكن في العالم خاطئ آخر سواه!!

تأمّل في بيت لحم وما حدث فيها في ليلة معيّنة وتوقيت إلهي مُحدّد ... ليصل إليها ويشرّفها أعظم شخص في الكون كلّه ... حاملًا معه أعظم إرساليّة من الآب؛ «لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللهُ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ» (يو3: 17).

صفوت نظير

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com