عدد رقم 1 لسنة 2024
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
لماذا تجسَّد المسيح؟  

إنّ ميلاد المسيح وظهور ابن الله في الجسد، لهو واحد من أعظم أحداث التّاريخ البشريّ كلّه، للدّرجة الّتي عندها انقسم التّاريخ إلى قسمَين؛ ما قَبل ميلاده، وما بعد ميلاده. وأصبح هذا التّقويم هو المعتمَد لدى كلّ الأمم والشّعوب على وجه الأرض.

ومن أهم الأسباب لتجسّد المسيح:

(1)     إشباع الرّغبة المتبادَلة لدى الله والإنسان في التّواصل:

خلقَ اللهُ الإنسانَ على صورته كَشَبَهِهِ، ليكون في شركة وتواصل مباشر معه، وهكذا الإنسان من يوم خُلِقَ، كان فرحه وسلامه وشبعه في الالتقاء بالله، والتّواصل معه. وعندما عطّلت الخطية هذا الالتقاء الخاصّ والمباشِر من جانب الإنسان، ظلّ الله يبحث عن الإنسان ليُعيده إلى أجواء الشّركة، وظلّ الإنسان يبحث عن الله، ويرغب في أن يراه. وهكذا قال موسى للرّبّ: «أَرِنِي مَجْدَكَ» (خر33:18). ولم يرَ موسى مجد الرّبّ إلّا على جبل التّجلّي، بعد تجسُّد الرّبّ (مت17:3).

(2)     الإعلان الكامل عمَّن هو الله:

لقد كان المسيح في حياته على الأرض هو الإعلان الكامل عن الله، في جاذبيّة وتأثير كلامه، على كلّ من سمعه، وفي معجزاته وسلطان كلمته في شفاء المرضى وإقامة الموتى وعلى الطّبيعة والأرواح النّجسة؛ فقد عمل كلّ ما يمكن لله أن يعمله، وأظهر - في حياته وفي موته - كلّ ما في قلب الله من محبّة للبشر: «اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا» (رو 5: 8). لقد كان المسيح إنسانًا كاملًا لله، وكان أيضًا إلهًا كاملًا للإنسان: «الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ» (كو1: 15).

(3)     الخلاص من دينونة وعبوديّة الخطيّة:

لا شكّ في أنّ الغرض الأسمى للتّجسّد هو إتمام عمل الفداء وخلاص الإنسان. لقد كان التّحدّي الأعظم في تاريخ بني البشر؛ كيف يمكن الحصول على الخلاص والتّحرير من سلطان الخطيّة؟ فمَن مِن النّاس لم يكره حياته بسبب الاستعباد للخطيّة، وفقدَ أفراحه وسلامه، بسبب الخوف من المصير التّعِس المنتظَر جزاء ما فعل؟ وظلّ السّؤال لا يجد إجابة: «فَكَيْفَ يَتَبَرَّرُ الإِنْسَانُ عِنْدَ اللهِ؟ وَكَيْفَ يَزْكُو مَوْلُودُ الْمَرْأَةِ؟» (أي25: 4). وحسم داود الإجابة بالقول: «يَا رَبُّ... لاَ تَدْخُلْ فِي الْمُحَاكَمَةِ مَعَ عَبْدِكَ، فَإِنَّهُ لَنْ يَتَبَرَّرَ قُدَّامَكَ حَيٌّ» (مز143: 1، 2). ولكن المسيح كان هو جواب الله على أصعب سؤال: "مَن يُتمّم عمل الفداء؟". فمن ناحية ليس سوى المسيح - الله الظّاهر في الجسد - هو الّذي يقدر أن يُخلِّص البشر من خطاياهم، وتكون وساطته بين الإنسان والله مقبولة. ومن النّاحية الأخرى كان ينبغي أن يكون إنسانًا كاملًا ليُخلِّص الإنسان، محتمِلًا في جسده كلّ آلام دينونة خطايانا: «فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ» (عب2: 14).

(4)     ليتألم مُجرَّبًا فيُعيننا في تجاربنا وأتعابنا:

المسيح بتجسّده اختبر كلّ ما يجتاز فيه البشر من تعب وألم، وجوع وعطش، وظُلم ورفض واحتقار، وأحزان، فكان رئيس الكهنة المُعيَّن من الله، للمعونة والتّرفّق بالجهّال والضّالّين، وتشرح لنا رسالة العبرانيّين ضرورة تجسّد المسيح للقيام بهذا الدّور:

(‌أ)       التّأهّل: «لأَنَّهُ لاَقَ بِذَاكَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ الْكُلُّ وَبِهِ الْكُلُّ، وَهُوَ آتٍ بِأَبْنَاءٍ كَثِيرِينَ إِلَى الْمَجْدِ، أَنْ يُكَمِّلَ (يؤّهِل) رَئِيسَ خَلاَصِهِمْ بِالآلاَمِ» (ع2: 10).

(‌ب)   الرّثاء: «لأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ» (عب4: 15).

(‌ج)    تقديم المعونة: «لأَنَّهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّبًا يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ» (عب2: 18).

ما أعجب هذا! وما أجمله! أنّ الله المُنزَّه عن الشّعور بالآلام والأحزان، يُمكنه أن يشعر بآلام وأحزان البشر! ثمّ بمحبّته وسلطانه يزيلها.

(5)     ليترك لنا مثالًا لنتّبع خطواته:

لقد مجّد المسيح الله في كلّ حياته، وعاش كالإنسان الكامل - ابن الإنسان - أيّ الإنسان كما يحبّ الله أن يراه، وقال للآب: «أَنَا مَجَّدْتُكَ عَلَى الأَرْضِ. الْعَمَلَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لأَعْمَلَ قَدْ أَكْمَلْتُهُ» (يو17: 4). وكانت حياته تقدّمة الدّقيق في البياض والنّعومة والتّجانُس والشَّبع، وصار لنا المثال الكامل والنّموذج الفريد الّذي يستحقّ أن نقتدي به ونحيا نظيره.

وسيظلّ المسيح يُبهرنا بكماله وجماله، وسيظلّ التّجسّد انعكاس حبّ الله للبشر، كريمًا وعظيمًا في أعيننا.

«وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ»

(1تي3: 16)

عادل راضي

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com