تُطالِعُنا الأصحاحات الأولى من إنجيل لوقا، في معرِض
حديثها عن قصّة ميلاد المسيح، عن أمناء وأتقياء، كانوا موجودين وقتها، زكريا
وأليصابات، ويوسف ومريم، وسمعان وحَنَّة بنت فنوئيل. لا شكّ أنّهم كانوا يتوقّعون
وصول المسيّا، وتحقيق النّبوّات الخاصّة به. ولنا في قصّتهم عدّة دروس أوجزها في
ثلاث أفكار:
بقيّة أمينة ... رجال ونساء:
القصّة في الأناجيل تؤكّد أنّ شعب الله لم يكن في أفضل
حالاته وقت مجيء المسيح، رؤساء الشّعب وقادته الدَينيّين اتُّصفوا بالرّياء الشّديد،
والهيكل - بيت الله - أصبح بيت تجارة ومغارة لصوص، والعبادة شكليّة، والشّريعة خفّت
صوتها أمام صوت التّقليد! سياسيًّا ووطنيًّا، كانوا مُستعبَدين للرّومان. كانوا
يحتاجون بشدّة للمُّخلِّص، ولهم الوعد بقدومه، ولكن هل مِن مُّنتظر!
هؤلاء الأمناء كانوا يتوقّعون وينتظرون، ولم يكن هؤلاء
فقط، بل كان هناك «جَمِيعِ الْمُنْتَظِرِينَ فِدَاءً فِي أُورُشَلِيمَ» (لو2: 38).
ربّما كلمة "فِدَاء" تعني هنا "تحرير" من المستعبِد الرّومانيّ،
لكن عين إيمانهم كانت ترنو أيضًا إلى البركات الرّوحيّة: «نُورَ إِعْلاَنٍ
لِلأُمَمِ» (لو2: 32)، «أَنْ يُعْطِيَنَا إِنَّنَا بِلاَ خَوْفٍ، مُنْقَذِينَ مِنْ
أَيْدِي أَعْدَائِنَا، نَعْبُدُهُ بِقَدَاسَةٍ وَبِرّ قُدَّامَهُ جَمِيعَ أَيَّامِ
حَيَاتِنَا ... لِتُعْطِيَ شَعْبَهُ مَعْرِفَةَ الْخَلاَصِ بِمَغْفِرَةِ
خَطَايَاهُمْ ... لِيُضِيءَ عَلَى الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ وَظِلاَلِ
الْمَوْتِ، لِكَيْ يَهْدِيَ أَقْدَامَنَا فِي طَرِيقِ السَّلاَمِ» (لو1: 74-79).
كان سمعان البار «يَنْتَظِرُ تَعْزِيَةَ إِسْرَائِيلَ»
(لو2: 25)؛ أي من يُعين شعبه. والكلمة "تَعْزِيَةٌ" هنا باليونانيّة هي "ﭘَـارَاكْلِيسِيسْ"
القريبة من "الْـﭙَـارَاكْلِيتْ"، وهو أحد أسماء الرّوح القدس في العهد
الجديد. إنّ امتيازنا العظيم في "تدبير النّعمة" الحاضر، أنّ لنا المسيح
شفيعنا في المجد، والرّوح القدس فينا. وهذا ما يكفي لتعزية الأمناء.
لنلاحظ أيضًا ارتباطهم ببيت الله، فزكريّا كاهن، ويوسف
ومريم يذهبان كلّ سنة إلى أورشليم في عيد الفصح (لو2: 41)، وسمعان يأتي في الوقت المحدّد
بالرّوح إلى الهيكل (لو2: 27)، ليحظى برؤية ما انتظرَهُ طيلة حياته، وحَنَّة لا
تفارق الهيكل (لو2: 37)، وتأكيدًا على صحّة اختيارهم، يذكر الكتاب عن السَيِّد أنّه
في صباه - وفي العيد - اختار أن يكون في الهيكل، لا بين الرّفقة أو الأقرباء أو
المعارف (لو2: 44-46).
هؤلاء ينطبق عليهم القول: «اَلصِّدِّيقُ كَالنَّخْلَةِ
يَزْهُو، كَالأَرْزِ فِي لُبْنَانَ يَنْمُو. مَغْرُوسِينَ فِي بَيْتِ الرَّبِّ،
فِي دِيَارِ إِلهِنَا يُزْهِرُونَ. أَيْضًا يُثْمِرُونَ فِي الشَّيْبَةِ.
يَكُونُونَ دِسَامًا وَخُضْرًا، لِيُخْبِرُوا بِأَنَّ الرَّبَّ مُسْتَقِيمٌ.
صَخْرَتِي هُوَ وَلاَ ظُلْمَ فِيهِ» (مز92: 12-15).
يلفت نظرنا أيضًا أنّه بالارتباط بهم، وفي هذه
الأصحاحات، وردت سبع إشارات للرّوح القدس (لو1: 15، 35، 41، 67؛ 2: 25، 26، 27). وسبع
إشارات لكلمة لله - النّاموس والأنبياء - (لو1: 55، 70؛ 2: 22، 23، 24، 27، 39). وسبع
إشارات للتّسبيح وهي تسبيحات أليصابات (لو1: 41-45)، وزكريا (لو1: 67-79)،
والملائكة (لو2: 13، 14)، والرّعاة (لو2: 20)، وسمعان الشّيخ (لو2: 28-32)،
وحَنَّة بنت فنوئيل (لو2: 38).
وهذه البقيّة كانت تمتاز بالامتلاء من الرّوح القدس،
والتّمسّك بكلمة الله، وكانت النّتيجة قلب يفيض بالتّسبيح! وأَليس هذا عينه هو ما
تشجّعنا عليه كلمة الله (كو3: 16؛ أف4: 18، 19)؟!
ولا يفوت الرّوح القدس التّأكيد على حياة البرّ العمليّ
الّتي ميّزَتْهُم (لو1: 6؛ 2: 25؛ مت1: 19)
في هذه الباقة من الأمناء نجد الرّجال (زكريا ويوحنا
ويوسف وسمعان)، ونجد النّساء (أليصابات ومريم وحنَّه)، نجد الشّيوخ (زكريا
وسمعان)، ونجد العجائز (أليصابات وحَنَّه)، ونجد الشّباب (يوسف، مريم، يوحنا). شكرًا
للربّ لأنّه يوجد دائمًا الأمناء من كلّ الأعمار!
لم تكن حياتهم بلا آلام أو خبرات مؤلمة، لكنّهم ظلّوا
أمناء. فلم يكن حرمان زكريا وأليصابات من الأبناء عائقًا أمام تكريسهم، ولم يكن
ترَّمُلْ حَنَّه مدعاةً للكآبة والانْزِواء وندب الحال، بل فرصة للتّكريس. عاشت مع
زوجها سبع سنين، وظلّت أرملة بعد ذلك نحو 84 سنة. كانت من القليلين من الأسباط العشرة
التّائهين مِمَن سكنوا ثانيةً أرض إسرائيل، وكانت محظوظة إذ رأت المسيّا قبل
موتها، لذا يُشير الرّوح القدس أنّها كانت من سبط أشير والّذي يعني "مُبارك"
أو "سعيد"! وعندما رأته "تَكَلَّمَتْ عَنْهُ" (ع38)، وتمّ
فيها القول: «آمَنْتُ لِذلِكَ تَكَلَّمْتُ» (مز116: 10؛ 2كو4: 13).
نقرأ عن الشّيخوخة السّعيدة في مزمور 71 مرّتين (مز91:
9، 18)، وفيهما يترجّى المرنّم معونة الرّبّ وقت ضعف الجسد، وفناء القوّة، لكنّه
مازال يخبر جيله بعجائب الربّ (ع17)، ويرغب أن يطول عمره ليخبر الجيل المقبل (ع18)!
وفي نفس المزمور نقرأ عن أيّام الصّبا مرّتَين (ع5، 17)، والّتي فيها تمتّع بالاتّكال
على الرّبّ وتعلُّم طُرقه. ما أجمل أن تبدأ الحياة هكذا، وتستمرّ حتّى الشّيخوخة:
«تَاجُ جَمَال: شَيْبَةٌ تُوجَدُ فِي طَرِيقِ الْبِرِّ» (أم 16: 31).
سمعان ومكافأة الإيمان:
كان سمعان البار «قَدْ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِالرُّوحِ
الْقُدُسِ أَنَّهُ لاَ يَرَى الْمَوْتَ قَبْلَ أَنْ يَرَى مَسِيحَ الرَّبِّ» (لو2:
26)، وبالتّأكيد آمن بذلك فرآه، بل وأكثر من ذلك أخذه على ذراعيه! قال الربّ
لمرثا: «أَلَمْ أَقُلْ لَكِ: إِنْ آمَنْتِ تَرَيْنَ مَجْدَ اللهِ؟» (يو11: 40). وهكذا
يُكافأ الإيمان.
أُعطى سمعان بالرّوح القدس أن ينطق كذلك بما أسماه بولس
بعد ذلك "سِرُّ الْمَسِيحِ"، "السِّرُّ الْمَكْتُومُ" (أف3:
1-13). فقد ذكر سمعان أنّ الخلاص سيتوجّه أوّلًا للأمم؛ «نُورَ إِعْلاَنٍ
لِلأُمَمِ»، ثمّ لإسرائيل «وَمَجْدًا لِشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ» (ع32). لم يكن
كإسرائيليّ تقيّ لينطق بهذه الكلمات دون أن يضعها الرّوح القدس على لسانه، لكن هذا
أيضًا يؤكّد أنّ «سِرُّ الرَّبِّ لِخَائِفِيهِ، وَعَهْدُهُ لِتَعْلِيمِهِمْ»
(مز25: 14).
شرَحَ الرّسول بولس بعد ذلك هذا الأمر في أكثر من رسالة؛
فمثلًا قال في رسالة رومية: «فَإِنِّي لَسْتُ أُرِيدُ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ
تَجْهَلُوا هذَا السِّرَّ، لِئَلاَّ تَكُونُوا عِنْدَ أَنْفُسِكُمْ حُكَمَاءَ:
أَنَّ الْقَسَاوَةَ قَدْ حَصَلَتْ جُزْئِيًّا لإِسْرَائِيلَ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ
مِلْؤُ الأُمَمِ، وَهكَذَا سَيَخْلُصُ جَمِيعُ إِسْرَائِيلَ» (رو11: 25، 26).
الربّ آتٍ... فلنكن أمناء:
هذه العيّنة المُباركة، الأمناء في زمن مجيء المسيح الأوّل،
تشجّعنا على العيشة بأمانة، ونحن في انتظار مجيء المسيح الثّاني. عندما نقرأ ملامح
كنيسة فيلادلفيا (رؤ3: 7-13)، الّتي تتكلّم عن الحالة الصّحيحة في الأيّام
الأخيرة، وقبل مجيء الرّبّ، نجد القوّة اليسيرة، لكن الأمانة كثيرة ومدَحَهُ الربّ
قائلًا: «حَفِظْتَ كَلِمَتِي وَلَمْ تُنْكِرِ اسْمِي ... لأَنَّكَ حَفِظْتَ
كَلِمَةَ صَبْرِي»، ولا يوّبخه الرّبّ على شيء، ولا يطلب منه سوى «تَمَسَّكْ بِمَا
عِنْدَكَ». وبلغة مشابهة يشجّع الرّسول بولس إخوته: «فَاثْبُتُوا إِذًا أَيُّهَا
الإِخْوَةُ وَتَمَسَّكُوا بِالتَّعَالِيمِ الَّتِي تَعَلَّمْتُمُوهَا، سَوَاءٌ
كَانَ بِالْكَلاَمِ أَمْ بِرِسَالَتِنَا» (2تس2: 15).
فليعطنا الرّبّ أن نكون بقيّة أمينة إلى مجيئه!
عماد ثروت