عدد رقم 1 لسنة 2024
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ  

حقّ عظيم فوق الأفهام:

كون المسيح هو الله وإنسان في آنٍ واحد، فهذا حقّ عظيم. ليس هو مادّة للجدل العقليّ، بل لكي يُقبَل بالإيمان، ونتجاوب معه بالسّجود والعرفان. قال أحد القدّيسين القدماء: إنّ مَن ينكر هذا الحقّ العظيم سيفقد نفسه، ومَن يحاول أن يفهمه، سيفقد عقله.

ولم يكن المسيح - كما ادّعى بعض الهراطقة في العصور المسيحيّة الأولى - مجرّد شبح أو خيال. كلّا، بل إنّه: «صَارَ جَسَدًا».

وعندما نقول أنّ: «اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ»، لا نعني أنّ الله بالتّجسُّد قد تحوّل إنسانًا، حاشا. فليس عند الله تغيير ولا ظلّ دوران. لكن ابن الله قَبِلَ أن يتّخذ له جسدًا، دون أن يكفّ من أن يكون ما هو عليه من الأزل وإلى الأبد. والمسيح لم يكن على الأرض مجرّد إنسان لا أكثر ولا أقل، كلّا، فلقد بقي في لاهوته كما هو من الأزل وإلى الأبد، لكنّه اتّخذ بالإضافة إلى ذلك جسدًا به شاركَنا في بشريّتنا، دون أن يشاركنا في الطّبيعة السّاقطة الجانحة إلى العصيان والمطبوعة بطابع الضّعف والخطيّة.

إنّ اتّحاد الطّبيعتَين في المسيح، أيّ اتّحاد الطّبيعة الإلهيّة والطّبيعة البشريّة الإنسانيّة في شخص واحد، واردة في أسفار التّوراة الّتي بين أيدي اليهود. فيقول إشعياء النّبيّ مثلًا: «لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ (هنا يشير النّبيّ إلى ناسوت المسيح)»، ثمّ يقول: «وَنُعْطَى ابْنًا (مشيرًا إلى لاهوته)»، ثمّ يضيف قائلًا: «يُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا (لأنّه الله وإنسان في آن معًا، وهذا منتهى العجب)» (إشعياء9: 6).

شخص عظيم فوق البشر:

كما أنّ الحقّ الخاص بالطّبيعتَين في المسيح هو حقّ فوق الأفهام، فكذلك أيضًا شخص المسيح، مولود العذراء، هو شخص عظيم ومجيد:

في (لوقا 1) يخبرنا الوحي أنّه هو ابن الله وهو ابن داود. وهو عين ما يخبرنا به في (رومية 1: 3، 4)، حيث نفهم أنّه ابن الله من الأزل وإلى الأبد: «صَارَ مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ مِنْ جِهَةِ الْجَسَدِ».

ومن (يوحنا 1: 1-14) نفهم أنّه «الْكَلِمَة» الّذي «كَانَ عِنْدَ اللهِ»، «وَكَانَ الْكَلِمَةُ الله»، لكن «الْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا».

ومن (فيلبي2: 6، 7) نفهم أنّه «كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ»، لكنّه «أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ».

أتى ابن الله، لكنّه أتى مولودًا من امرأة.

يقول ميخا النبي عن بيت لحم، القرية الّتي وُلِد فيها المسيح: «أَمَّا أَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمِ أَفْرَاتَةَ، وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَنْ تَكُونِي بَيْنَ أُلُوفِ يَهُوذَا، فَمِنْكِ يَخْرُجُ لِي (هنا يشير إلى ناسوت المسيح) الَّذِي يَكُونُ مُتَسَلِّطًا عَلَى إِسْرَائِيلَ، وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ، مُنْذُ أَيَّامِ الأَزَلِ (هنا يشير إلى لاهوته)» (ميخا5: 2).

فهو وُلد في العالم، لكنّه هو نفسه كان قبل ولادته. إنّه الأزليّ الأبديّ، فلا عجب أن يدخل ذلك العظيم إلى العالم عن طريق أعجوبة الميلاد العذراويّ. فحقًّا إنّ شخصًا كالمسيح كان يلزم أن يكون دخوله إلى العالم عجيبًا نظير الدّخول العذراويّ. إنّ كيفيّة دخول المسيح العجيبة تُبرَّرَ تمامًا عندما نعرف حقيقة شخصه العجيب!

لماذا أرسل الله ابنه بهذه الطّريقة؟

قد يسأل واحدٌ: "ولماذا لم يرسل الله ابنه بدون ولادةٍ؟" أو "لماذا كما أرسله بدون أبٍ، لم يرسله أيضًا بدون أمٍ؟"

ودعنا نجيب في البداية أنّ الإيمان لا يستجوب الله قائلًا له: "لماذا فعلت هذا ولم تفعل ذاك؟". أو "لماذا فعلتَ بهذا الأسلوب لا بغيره؟". «لأَنَّ كُلَّ أُمُورِهِ لاَ يُجَاوِبُ عَنْهَا» (أيوب33: 13).

لكن لعلّ قصد الله من إرسال ابنه عن طريق ولادة من امرأة عذراء هو ما يلي:

أوّلًا: أن يولد المسيح فهذا معناه أنّه صار إنسانًا بكلّ معنى الكلمة. ولم يكن ظهوره بين البشر كأحد التّجلّيّات السّابقة في التّاريخ، بل إنّه اشترك في اللّحم والدّم مثلنا، وأنّه شابَهَنا في كلّ شيء، باستثناء شيء واحد فقط هو الخطيّة.

ثانيًا: إنّ ولادة المسيح من امرأة كان تتميمًا لوعد الله في الجنّة. ففي (تكوين 3) نرى كيف أن الشّيطان استخدم المرأةَ ليُدخل الخطيّة والبؤس والموت إلى العالم، فأتى في الحال الرّدّ الإلهيّ على ذلك، ووعد الله بأنّه عن طريق المرأة سوف يدخل المُخلِّص الّذي سيسحق رأس الحيّة. والآية الواردة في (تكوين 3: 15) تُعتَبَر أوّل نبوّة عن المسيح في الكتاب المقدّس، وتمّت في المسيح الّذي وُلد من امرأة، وبالتّالي صار هو نسل المرأة بصورة فريدة لا يشاركه فيها أحد.

ثالثًا: وأن يولد المسيح من عذراء فهذا أيضًا تتميم لنبوّة سابقة نَطَقَ بها إشعياء النبي قبل مَوْلِد المسيح بنحو سبعمائة عام: «هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ «عِمَّانُوئِيلَ» (إشعياء7: 14). والمولد العذراويّ يحمل دلالة هامّة، وهي أنّ مجيء المسيح إلى العالم لم يكن بناءً على رغبة إنسان، كما أنّه فوق تصوّر البشر وفوق توقّعاتهم. لقد جاء المسيح بناء على خطّة الله الأزليّة، وفي التّوقيت الّذي اختاره الله. وفي هذا يقول الكتاب المقدّس: «لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ» (غلاطية4: 4).

هل نجد في الميلاد العذراويّ مجرّد قدرة الله؟

يخطئ من يظنّ أنّ المسيح بمولده من عذراء يشبه آدم في خلقه. هناك مقولة شائعة عند البعض: أنّ قدرة الله تجلَّت في خلق آدم بدون أبٍ وأمٍّ، ثمّ في حوّاء الّتي خلقت من أب وبدون أمّ، وأخيرًا في المسيح الّذي وُلِدَ من أمٍّ بدون أب.

لكنّنا نجيب بأنّ الاختلاف هنا أكبر جدًّا من المشابهة.

فآدم مخلوق من الله خَلقًا مباشرًا. وبالتّالي فنحن لا نتوقّع إنّه يكون له أب وأم. أمّا حوّاء فالمسألة مختلفة، لأنّ آدم لم يكن أبًا لحوّاء، بل زوجها. والله لمّا خلق حوّاء من ضلع آدم، كان غرضه من ذلك توضيح نظرة الله المقدّسة للزّواج، وأنّهما في نظر الله جسد واحد. لكن لا آدم ولا حوّاء وُلد، بل الله خلقهما «ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ اللهُ» (تكوين1: 27).

لكن بعد حادثة الخلق، فإنّ الله جعل طريقة الدّخول إلى العالم هي طريقة واحدة دائمًا، وهي تزاوج رجل بامرأة. واستمرّ هذا الأمر آلافًا من السّنين، فيها وُلد ملايين وبلايين البشر بهذه الطّريقة الوحيدة. إلى أن جاء المسيح، فوُلد بطريقة مختلفة تمامًا عن سائر البشر. لماذا؟ ليس من سبب لذلك، سوى أنّ المسيح مختلف عن كلّ البشر.

آدم خُلق ولم يولد، وكذلك حوّاء، لكن المسيح وُلِد ولم يُخلَق.

ثمّ إنّ آدم قبل خَلْقِهِ لم يكن له وجود، ولا حوّاء كانت موجودة قبل خلقها، لكن المسيح كان موجودًا قبل ولادته. قال المسيح في (إنجيل يوحنا 8: 58) «قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ».

إذًا فمسألة الميلاد العذراويّ، لها أبعاد تختلف عن مجرّد قدرة الله. إنّها تؤكّد سموّ شخص المسيح. وهذا العظيم عندما دخل إلى العالم، لم يدخله بالطّريق العاديّ كما يدخل سائر البشر، وذلك لأنّه يختلف اختلافًا جوهريًّا وجذريًّا عن سائر البشر، سواءً في حقيقة شخصه أو غرض مجيئه إلى العالم.

حقيقة الميلاد العذراويّ:

يقدّم لنا (إنجيل متى 1) أدلّة سُباعيّة عن حقيقة مولد المسيح العذراويّ:

(1)     شهادة التّاريخ: فبينما تتكرّر في (إنجيل متى الإصحاح الأوّل) 39 مرّة أنّ "فلانًا وَلَدَ فلانًا". فإنّ أسلوب الكلام يتغيّر عند يوسف. فلا يقول ويوسف وَلَدَ يسوع، كما قال عن السّالفين، بل يقول: «يَعْقُوبُ وَلَدَ يُوسُفَ رَجُلَ مَرْيَمَ الَّتِي وُلِدَ مِنْهَا يَسُوعُ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ» (ع16). هنا نحن نسمع شهادة التّاريخ.

(2)     شهادة الرّوح القدس: ففي (ع18) يقول الوحي: «أَمَّا وِلاَدَةُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَكَانَتْ هكَذَا». وعبارة أَمَّا تُفيد المفارقة مع كلّ الأجيال العديدة الّتي جاءت قبل المسيح.

(3)     شهادة الواقع: فيقول الوحي في (ع18) «لَمَّا كَانَتْ مَرْيَمُ أُمُّهُ مَخْطُوبَةً لِيُوسُفَ، قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعَا، وُجِدَتْ حُبْلَى مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ».

(4)     شهادة الضّمير: يقول الوحي في (ع19، 20): «فَيُوسُفُ رَجُلُهَا إِذْ كَانَ بَارًّا، وَلَمْ يَشَأْ أَنْ يُشْهِرَهَا، أَرَادَ تَخْلِيَتَهَا سِرًّا. وَلكِنْ فِيمَا هُوَ مُتَفَكِّرٌ فِي هذِهِ الأُمُورِ، إِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لَهُ فِي حُلْمٍ». لماذا لم يأمر يوسف - مع أنّه رجل بارّ متمسّك بشريعة الله - برجم خطيبته كما تقول الشّريعة؟ السّبب لأنّ ضميره كان مقتنعًا ببراءتها. وهذا هو سرّ حيرته وتفكيره.

(5)     شهادة السّماء: وهو ما نجده في (ع20) إذ أتى ملاك الرّبّ إلى يوسف، يؤكّد له أنّ الّذي حُبل به فيها هو من الرّوح القدس.

(6)       شهادة النّبوّة (ع22، 23): فلم يكن الميلاد العذراوي هذا فكرة بِنْتَ ليلتها، بل سبقَتْهُ فيها نبوّة من أكثر من سبعمائة عام. إنّها نبوّة إشعياء في (أصحاح7: 14): «هَا الْعَذْرَاءُ ([1]) تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ: عِمَّانُوئِيلَ».

(7)     شهادة يوسف خطيب مريم: ففي (ع24، 25) نقرأ كيف أنّ يوسف أطاع الملاك، وأخذ مريم امرأة له، لكنّه لم يعرفها حتّى ولدت ابنها البكر.



[1]                 الكلمة عذراء في هذه الآية، وبالعبريَ "عَلْمَا"، وردَت في التّوراة العبريّة سبع مرّات، وكلّها تشير إلى فتاة غير متزوّجة. انظر على سبيل المثال: (تكوين24: 47؛ نشيد الأنشاد 1: 3؛ 6: 8).

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com