عدد رقم 1 لسنة 2024
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
جولة في سفر الجامعة (15)  

الأصحاح الرّابع

الحياة ليست عادلة

في سفر (الجامعة 3: 1-5: 9) يُعيد سليمان فحص وتدارس وامتحان هذه الحجّة الأولى لكراهيّته للحياة؛ ملل ورتابة الحياة، وخلوّها من كلّ ما هو جديد، وعدم وجود ما يُلبّي رغبة الإنسان لما هو جديد (جا1: 4-11).

وفي هذا الصّدد اكتشف (الجامعة 4) عواملًا يجب أن نأخذها في الاعتبار، قبل أن نُقرّر أنّ الحياة مملّة ورتيبة، ولا معنى لها، ولا قيمة لها:

أوّلًا: رأى شيئًا فوق الإنسان: سيادة وسلطان الله (Look Above Man): فهناك الإله الّذي يُراقب ويُسيطر ويتحكّم ويُوجِّه ويحكّم قبضته على الأزمنة والأوقات والمواسم، ويجعل كلّ اختبارات الحياة في وضع اتّزان وتعادل (جا3: 1-8).

ثانيًا: رأى شيئًا داخل الإنسان يجعله في علاقة وارتباط موصول بالله؛ فالأبديّة في قلبه (Look Within Man) (جا3: 9-15).

ثالثًا: رأى شيئًا أمام الإنسان وينتظره (Look Ahead of Man): حقيقة ويقينيّة الموت الّذي ينتظره (جا3: 16-22).

رابعًا: رأى سليمان شيئًا حول الإنسان ويُحيط به (Look Around Man): رأى أثقال وأعباء الحياة؛ ظلم وكدر العيش (جا4: 1-5: 9). ولكي يُبرهن الجامعة رأيه، فإنّه يطلب من مستمعيه:

(1)      أنظر إلى أعلى (جا3: 1-8).

 

(2)      أنظر إلى داخلك (جا3: 9-15).

(3)      أنظر إلى الأمام (جا3: 16-22).

 

(4)      أنظر حولك (جا4: 1-5: 9).

 

وبدءً من الأصحاح الرّابع، نجد الجامعة، الملك وقد نزل من "بُرْجِهِ العالي العاجيّ" لينظر حوله، في معايشة حياتيّة للنّاس، متأمّلًا في معاناتهم وآلامهم. وفي هذا الأصحاح نلاحظ ذكر أنماط مختلفة من النّاس: الْمَظْلُومِينَ وظَالِمِيهِمْ (ع1)، الأَمْوَاتَ والأَحْيَاءِ (ع2)؛ الإِنْسَان وقَرِيبِه (ع4)، وَاحِدٌ بلا ابْنٌ وَلاَ أَخٌ (ع8)، الَّذِي وَقَعَ وَرَفِيقِهِ (ع10)، وَلَدٌ فَقِيرٌ وَحَكِيمٌ، ومَلِكٍ شَيْخٍ جَاهِل (ع13)، الْمَوْلُودُ مَلِكًا والْوَلَدِ الثَّانِي (ع15)، كُلِّ الشَّعْبِ (ع16). وهذه الأنماط من البشر تتناسب مع المشاكل المختلفة الّتي أثارها سليمان في نهاية الأصحاح الثّالث، والّتي يستمرّ في الحديث عنها في هذا الإصحاح الرّابع. فإذ تأمّل سليمان في حقيقة مُطلق سلطان وسيادة الله، وتحكّمه في السّيطرة وفي إدارة كلّ شيء، فإنّه يأتي إلى إثارة مشكلات كبيرة:

(1)      لماذا هناك الظّلم والجور والخيانة وعدم الأمانة في كلّ مكان (جا3: 16، 17)؟!

(2)      لماذا الموت في كلّ مكان (جا3: 18-22)؟

وفي الأصحاح الرّابع يستمرّ سليمان في تساؤلاته:

(3)      لماذا الشّراسة والقسوة والظّلم في كلّ مكان (جا4: 1-3)؟

(4)      لماذا الحسد والغيرة في كلّ مكان (جا4: 4-6)؟

(5)      لماذا الوِحدة والوحشة والانفراد في كلّ مكان؟ وماذا عندما لا تكون هناك ذرّيّة (جا4: 7-12)؟

(6)      لماذا التّناقضات والتّقلّبات في كلّ مكان (جا4: 13-16)؟

وفي هذا الأصحاح سجّل لنا سليمان ملاحظاته ومشاهداته من خلال زيارته لأربعة أماكن:

(1)      قاعة المحكمة (جا4: 1-3).

 

(2)      الأسواق والمولات (جا4: 4-8).

(3)      الطّرق السّريعة (جا4: 9-12).

 

(4)      القصر الملكيّ (جا4: 13-18).

وكانت خلاصة استنتاجات سليمان أنّ الحياة مملّة ورتيبة، ولا معنى لها، ولا قيمة لها، وليس لدى الإنسان أيّة فكرة عن المشاكل الّتي قد تأتي إلينا في أيّ يوم مُعيَّن. ولا عجب أنّه كتب مرّة: «لاَ تَفْتَخِرْ بِالْغَدِ لأَنَّكَ لاَ تَعْلَمُ مَاذَا يَلِدُهُ يَوْمٌ» (أم27: 1).

*******

أوّلًا: في قاعة المحكمة

لماذا الشّراسة والقسوة والظّلم في كلّ مكان؟

(جا4: 1-3)

في قاعة المحكمة شهد الجامعة ثلاث مآسي:

(‌أ)   الاضطهاد والاستغلال والظّلم في قاعات العدالة.

(‌ب)  الألم والحزن في حياة الأبرياء.

(‌ج)الاطمئنان وراحة البال واللّامبالاة من جانب أولئك الّذين يمكن أن يكونوا مصدر تعزية، وأن يُجلبوا الرّاحة.

يمكن بسهولة اكتشاف أنّ هذه الآيات تتناول موضوع الشّراسة والقسوة والظّلم، من خلال ملاحظة استخدام سليمان لكلمات "الْمَظَالِمِ... دُمُوعُ... الْمَظْلُومِينَ... لاَ مُعَزٍّ (مرّتَين)... ظَالِمِيهِمْ... قَهْرٌ" (ع1). يا له من وصف للظّلم والجور والاستبداد!

وواضح أنّ الظّلم لا يخصّ مكانًا بعينه، ولا زمانًا دون سواه، لأنّ الجامعة يقول: «كُلَّ الْمَظَالِمِ ... تَحْتَ الشَّمْسِ» (ع1). ويبدو أنّ سليمان لا يزال يفكّر في إساءة استخدام السُّلطة الّتي تكلَّم عنها في (جامعة 3: 16): «وَأَيْضًا رَأَيْتُ تَحْتَ الشَّمْسِ: مَوْضِعَ الْحَقِّ هُنَاكَ الظُّلْمُ، وَمَوْضِعَ الْعَدْلِ هُنَاكَ الْجَوْرُ!». وهكذا يقول هنا: «ثُمَّ رَجَعْتُ» (ع1)، وهو يعني أنّه عاد ليتفكّر أكثر في قسوة القلب، وخُبث الإنسان. لقد رأى: "الْمَظَالِمِ، والْمَظْلُومِينَ، وظَالِمِيهِمْ". والّذين يتعرّضون للظُّلم والقهر والقمع، يجدون أحيانًا عزاءً من بعض المتعاطِفين، ولكن ليس الأمر هكذا دائمًا. وهنا يُسجّل سليمان مرّتين عن المظلومين «لاَ مُعَزّ لَهُمْ» (ع1). والإشارة إلى "القَهْر" توحي بأنّ الظّالمين يمتلكون القوّة، وهذا ما يُضاعف من إحباط وحزن المظلومين.

أَلَمْ يُعاني شعب إسرائيل، في مصر، من هذا الظّلم والقهر والاستبداد، من قِبَل فرعون ورُؤَسَاء التَسْخِير؟ ولم يكن لهم معزّون: «فَاسْتَعْبَدَ الْمِصْرِيُّونَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِعُنْفٍ، وَمَرَّرُوا حَيَاتَهُمْ بِعُبُودِيَّةٍ قَاسِيَةٍ فِي الطِّينِ وَاللِّبْنِ وَفِي كُلِّ عَمَل فِي الْحَقْلِ. كُلِّ عَمَلِهِمِ الَّذِي عَمِلُوهُ بِوَاسِطَتِهِمْ عُنْفًا» (خر1: 13-14). في وسط الصّعوبات، صرخ داود: «انْظُرْ إِلَى الْيَمِينِ وَأَبْصِرْ، فَلَيْسَ لِي عَارِفٌ. بَادَ عَنِّي الْمَنَاصُ. لَيْسَ مَنْ يَسْأَلُ عَنْ نَفْسِي» (مز142: 4). إنّ كلمات المرنّم هي كلمات نبويّة للرّبّ يسوع المسيح: «الْعَارُ قَدْ كَسَرَ قَلْبِي فَمَرِضْتُ. انْتَظَرْتُ رِقَّةً فَلَمْ تَكُنْ، وَمُعَزِّينَ فَلَمْ أَجِدْ» (مز69: 20). إنّ التّفكير في عدم وجود معزّون يُضاعِف من أحزان التّجربة. وهكذا صرخ أيّوب في وجه أصحابه: «مُعَزُّونَ مُتْعِبُونَ كُلُّكُمْ!» (أي16: 2). ولكن يا لغبطة المؤمن المسيحيّ الّذي لدى معزّين متاحين في كلّ ظروف الحياة:

أوّلًا: هناك الرّوح القدس السّاكن فينا (2تي1: 14؛ يو14: 16، 26).

ثانيًا: «لَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ» (1يو2: 1).

يجب على كلّ مؤمن مسيحيّ أن يعكس للآخرين ما يتمتّع به شخصيًّا، فيُظهِر روحًا متعاطفة وحنونة لجميع النّاس: «فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ وَبُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ» (رو12: 15).

وقد لاحظ سليمان "دُمُوع الْمَظْلُومِينَ" (ع1)؛ وفي التّرجمة السّبعينيّة تَرِد كلمة "دُمُوعُ" في صيغة المفرد؛ "دَمْعَة الْمَظْلُومِينَ"، وكأنّه يصف أنّ كلّ الدّموع الكثيرة الّتي تُذرف من العين، تجري وتنساب على خدّ المظلوم، في تيّارٍ جارف متّصل، يظهر وكأنّه دمعة واحدة طويلة كبيرة. ويا لتأثير هذه الصّورة! ولكن يا لها من تعزية لكلّ المظلومين أن يعرفوا أنّه في يوم قريب جدًّا: «سَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ، وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ، وَلاَ يَكُونُ حُزْنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِي مَا بَعْدُ، لأَنَّ الأُمُورَ الأُولَى قَدْ مَضَتْ» (رؤ21: 4).

ومرّة أخرى نؤكّد أنّ سليمان كان يكتب من الوجهة الأرضيّة الطّبيعيّة، ولذلك يقول: «فَغَبَطْتُ أَنَا الأَمْوَاتَ الَّذِينَ قَدْ مَاتُوا مُنْذُ زَمَانٍ أَكْثَرَ مِنَ الأَحْيَاءِ الَّذِينَ هُمْ عَائِشُونَ بَعْدُ» (ع2). وهو يعتبر أنّه من الأفضل أن يكون الإنسان ميتًا، عن أن يكون حيًّا ويتعرّض لظلم الحياة وكدر العيش. ولكنّنا نستدرك قائلين: إنّ مَن لا يموت في الإيمان، مسكين، إذ سيُعاني في الهاوية أضعاف ما كان يُعاني على الأرض.

ولكن سليمان يخطو خطوة أبعد، فيقول: «وَخَيْرٌ مِنْ كِلَيْهِمَا الَّذِي لَمْ يُولَدْ بَعْدُ، الَّذِي لَمْ يَرَ الْعَمَلَ الرَّدِيءَ الَّذِي عُمِلَ تَحْتَ الشَّمْسِ» (ع3). ففي استنتاجاته، يُغبّط سليمان الشّخص الّذي لم يُولد بعد، ولم يُشاهد ويختبر الظّلم والقهر!

ولكن لنتذكّر أنّ موقف المؤمن المسيحيّ مختلف تمامًا؛ فالشّخص المغبوط عند الموت هو فقط المسيحيّ المُخلَّص الّذي يموت في الرّبّ: «وَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ قَائِلًا لِي: اكْتُبْ: طُوبَى لِلأَمْوَاتِ الَّذِينَ يَمُوتُونَ فِي الرَّبِّ مُنْذُ الآنَ. نَعَمْ، يَقُولُ الرُّوحُ: لِكَيْ يَسْتَرِيحُوا مِنْ أَتْعَابِهِمْ، وَأَعْمَالُهُمْ تَتْبَعُهُمْ» (رؤ14: 13).

وقد يتوصّل بعض غير المؤمنين إلى استنتاج، مفاده أنّه من الأفضل لهم الموت والانتحار. ولكنّها - يا لها من مأساة - على الجانب الآخر من: "الهُوَّة العَظِيمَة التي قَدْ أُثْبِتَتْ"، حيث "مَوْضِعِ الْعَذَابِ" في اللّهيب (لو16: 26، 28)!

وهنا نطرح سؤالًا: لماذا لم يتّخذ سليمان أيّ إجراء حيال هذا الظّلم، وخاصّة أنّه الملك؟!

ونُجيب: للأسف حتّى الملك نفسه لم يستطع أن يعمل الكثير لحلّ هذه المشكلة، لأنّه ما أن يبدأ سليمان في التّدخّل مع حكومته، ليُعيد ترتيب الأمور، إلّا ويخلق مشاكلًا جديدة، ويكشف المزيد من الظّلم والفساد! ولا ننسى طبعًا أنّ سليمان نفسه كان مُتورّطًا في الظّلم والقسوة مع شعبه، فكانت عُبُودِيَّته قَاسِيَة ونِيرِهِ ثَّقِيل (2أخ10: 1-4). إنّ رفع المَظالِم وسيادة البرّ والعدل ينتظر مُلكَ المسيح لأنّه: «هَا أَيَّامٌ تَأْتِي، يَقُولُ الرَّبُّ، وَأُقِيمُ لِدَاوُدَ غُصْنَ بِرّ، فَيَمْلِكُ مَلِكٌ وَيَنْجَحُ، وَيُجْرِي حَقًّا وَعَدْلًا فِي الأَرْضِ» (إر23: 5)، «لأَنَّهُ حِينَمَا تَكُونُ أَحْكَامُكَ فِي الأَرْضِ يَتَعَلَّمُ سُكَّانُ الْمَسْكُونَةِ الْعَدْلَ» (إش26: 9)، وعن هذا المُلك يُقال أيضًا: «يَقْضِي لِمَسَاكِينِ الشَّعْبِ. يُخَلِّصُ بَنِي الْبَائِسِينَ، وَيَسْحَقُ الظَّالِمَ ... لأَنَّهُ يُنَجِّي الْفَقِيرَ الْمُسْتَغِيثَ، وَالْمِسْكِينَ إِذْ لاَ مُعِينَ لَهُ. يُشْفِقُ عَلَى الْمِسْكِينِ وَالْبَائِسِ، وَيُخَلِّصُ أَنْفُسَ الْفُقَرَاءِ. مِنَ الظُّلْمِ وَالْخَطْفِ يَفْدِي أَنْفُسَهُمْ، وَيُكْرَمُ دَمُهُمْ فِي عَيْنَيْهِ» (مز72: 4، 12، 13، 14). وأيضًا: «وَلَذَّتُهُ تَكُونُ فِي مَخَافَةِ الرَّبِّ، فَلاَ يَقْضِي بِحَسَبِ نَظَرِ عَيْنَيْهِ، وَلاَ يَحْكُمُ بِحَسَبِ سَمْعِ أُذُنَيْهِ، بَلْ يَقْضِي بِالْعَدْلِ لِلْمَسَاكِينِ، وَيَحْكُمُ بِالإِنْصَافِ لِبَائِسِي الأَرْضِ، وَيَضْرِبُ الأَرْضَ بِقَضِيبِ فَمِهِ، وَيُمِيتُ الْمُنَافِقَ بِنَفْخَةِ شَفَتَيْهِ. وَيَكُونُ الْبِرُّ مِنْطَقَهَ مَتْنَيْهِ، وَالأَمَانَةُ مِنْطَقَةَ حَقْوَيْهِ» (إش11: 3-5).

وللحديث بقيّة‎ ... إن شاء الرّبّ وعشنا

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com