عدد رقم 6 لسنة 2024
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
وحدانية الله الجامعة  

هُنَاكَ عِدَّةُ أَنْوَاعٍ لِلْوَحْدَانِيَّةِ سَنَسْرِدُهَا هُنَا، وَلَكِنَّنَا سَنَخْتِمُ كَلَامَنَا بِالْوَحْدَانِيَّةِ الْجَامِعَةِ الْمَانِعَةِ اللَّائِقَةِ بِاللهِ.

              الوَحْدَانِيَّةُ المُجَرَّدَةُ:

إِنَّ الوَحْدَانِيَّةَ المُجَرَّدَةَ تَعْنِي أَنْ لَا صِفَاتَ فِيهَا، وَمَن يَقُولُونَ بِوَحْدَانِيَّةِ اللهِ المُجَرَّدَةِ، فَهُمْ بِذَلِكَ يَنْأَوْنَ بِاللهِ عَنْ أَنْ يَتَّصِفَ بِأَيَّةِ صِفَةٍ، بِاعْتِبَارِ أَنَّ اللهَ عِنْدَمَا يَتَّصِفُ بِصِفَاتٍ مُعَيَّنَةٍ، فَإِنَّهُ يَكُونُ إِلَهًا مَحْدُودًا بِحُدُودِ هَذِهِ الصِّفَاتِ. وَهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ اللهَ فَوْقَ الوُجُودِ، وَفَوْقَ العَالَمِ، وَفَوْقَ الإِرَادَةِ. وَنُقْطَةُ الضَّعْفِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مِنَ الوَحْدَانِيَّةِ، أَنَّهَا تَجْعَلُ مِنَ اللهِ غَيْرَ مَوْجُودٍ.

              الوَحْدَانِيَّةُ المُطْلَقَةُ:

يُؤْمِنُ أَصْحَابُ هَذَا الفِكْرِ بِأَنَّ اللهَ كَائِنٌ مَوْجُودٌ، وَوُجُودُهُ أَمْرٌ حَتْمِيٌّ، وَوَحْدَانِيَّتُهُ مُطْلَقَةٌ لَا حَدَّ لَهَا. وَمِنْهُمْ مَن يَقُولُ إِنَّ اللهَ ذَاتٌ يَتَّصِفُ بِكُلِّ الصِّفَاتِ الإِيجَابِيَّةِ كَالْعِلْمِ وَالإِرَادَةِ وَغَيْرِهَا، عَلَى أَنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَمْ يَكُنْ لَهَا ظُهُورٌ أَوْ مَجَالٌ تَعْمَلُ فِيهِ قَبْلَ الخَلْقِ. أَيْ أَنَّ صِفَاتَ اللهِ كَانَتْ مَوْجُودَةً مُنْذُ الأَزَلِ، وَلَكِنَّهَا صَارَتْ فَاعِلَةً عِنْدَ الخَلْقِ. وَلَكِنَّنَا إِذَا سَلَّمْنَا بِهَذِهِ النَّظَرِيَّةِ، نَكُونُ آمَنَّا بِأَنَّهُ فِي لَحْظَةٍ مِنَ الزَّمَنِ قَدْ حَدَثَ تَغَيُّرٌ فِي اللهِ، وَحَاشَا للهِ مِنَ التَّغَيُّرِ.

              الوَحْدَانِيَّةُ الجَامِعَةُ المَانِعَةُ:

هِيَ الوَحْدَانِيَّةُ الشَّامِلَةُ وَالجَامِعَةُ لِكُلِّ مَا هُوَ لَازِمٌ لِوُجُودِ صِفَاتِ اللهِ بِالفِعْلِ، بِصَرْفِ النَّظَرِ عَنْ وُجُودِ الكَائِنَاتِ أَوْ عَدَمِ وُجُودِهَا، لِأَنَّهُ بِذَلِكَ يَكُونُ مُنْذُ الأَزَلِ الَّذِي لَا بَدْءَ لَهُ عَالِمًا وَمَعْلُومًا، عَاقِلًا وَمَعْقُولًا، مُحِبًّا وَمَحْبُوبًا، دُونَ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ تَرْكِيبٌ فِي ذَاتِهِ، أَوْ شَرِيكٌ مَعَهُ. وَهَذَا الأَمْرُ يَتَوَافَقُ كُلَّ التَّوَافُقِ مَعَ كَمَالِهِ، وَاسْتِغْنَائِهِ بِذَاتِهِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فِي الوُجُودِ.

مَعَ العِلْمِ بِأَنَّ لِكُلِّ مَوْجُودٍ ثَلَاثَ نِسَبٍ (جَوْهَرٌ – الصُّورَةُ – القُوَّةُ)، (الجَوْهَرُ – الشَّكْلُ – النَّتِيجَةُ). كَمَا أَنَّ الكَائِنَ العَاقِلَ لَيْسَ لَهُ عَلَاقَةٌ بِالكَائِنَاتِ الأُخْرَى وَحَسْبُ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ لَهُ عَلَاقَةٌ بِذَاتِهِ العَاقِلَةِ أَيْضًا.

§        نوع الوحدانية الجامعة في الجذور اللغوية

هذا يأتي بنا إلى تعريف النصوص الكتابية لنوع الوحدانية.

لقد قلنا إن الكتابَ المقدَّسَ في كلا عهديه يؤكِّدُ أنَّ اللهَ واحدٌ، ولكن عندما نتعمّقُ في دراسةِ طبيعةِ هذهِ الوحدانيّةِ نجدُ أنَّ لها طابعًا مميّزًا يختلفُ عن الوحدانيّةِ البسيطةِ المجردةِ.

على سبيلِ المثالِ، في النصِّ الكتابيِّ الشهيرِ: «اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ» (تثنيَة ٦: ٤). "שמע ישראל ה' אלוהינו ה' אחד" "شْمَاعْ يِسْرَائِيلْ، أَدُونَايْ إِلُوهِيْنُو، أَدُونَايْ إِحَادْ".

هذا النصُّ، المعروفُ في اليهوديّةِ باسمِ صلاةِ "شِماع يِسْرائيل" (שמע ישראל)، يُعَبِّرُ عن إيمانِ اليهودِ بوحدانيّةِ اللهِ. ويُلاحظُ في النصِّ العبريِّ استخدامُ كلمةِ: אֶחָד - إخاد " وهي الكلمةُ العبريّةُ التي تُشيرُ إلى الوحدة الجامعة".

ففي اللغة العبرية تُوجدُ كلمتان تُترجمان بمعنى (واحدٌ). هما (إخاد)(אֶחָד)، و(يخيد) (יָחִיד). لكنهما مختلفتان في الاستخدام.

فكلمة (إخاد)(אֶחָד)، تُستخدمُ للإشارةِ إلى الوحدانيّةِ التي يمكن أن تحتويَ على تعدديّةٍ داخليّةٍ أو عناصرَ مترابطةٍ.

              مثلًا: تُستخدمُ الكلمةُ في الكتابِ المقدَّسِ للإشارةِ إلى الزوجينِ في الزواجِ: «وَيَكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا" (تكوين ٢: ٢٤)، حيثُ تشيرُ "إحاد" إلى الاتحادِ بين الرجلِ والمرأةِ في الزواجِ. وهكذا تُستخدمُ الكلمةُ في وصفِ وحدانيّةِ اللهِ للدلالةِ على "وحدةٍ جامعةٍ شاملةٍ" تجمعُ بين الآبِ والابنِ والروحِ القدسِ في جوهرٍ إلهيٍّ واحدٍ.

بينما كلمة " يخيد " (יָחִיד) تُستخدمُ للتعبيرِ عن الوحدةِ المطلقةِ أو التفرُّدِ البسيطِ، وتُشيرُ إلى الكيانِ الفرديِّ الذي لا يقبلُ أيَّ تعدديةٍ داخليّةٍ.

فمثلًا تُستخدمُ للإشارةِ إلى الابنِ الوحيدِ في سياقٍ بشريٍّ، كما في «خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ» (تكوين ٢٢: ٢). لذلك هذه الكلمةُ لم تُستخدمْ في وصفِ وحدانيّةِ اللهِ، لأنَّ اللهَ في جوهرهِ يمتلكُ طبيعةً فريدةً تجمعُ بين الوحدانيّةِ والتعدديّةِ. بل الكلمة المستخدمة لوصف وحدانية الله الجامعة هي: (إخاد)(אֶחָד).

من كل ما سبق نتأكد أن: وَحْدَانِيَّةُ اللهِ، كَمَا تُعَلِّمُنَا الْكَلِمَةُ الْمُقَدَّسَةُ، لَيْسَتْ وَحْدَانِيَّةً بَسِيطَةً أَوْ مُجَرَّدَةً، بَلْ هِيَ "وَحْدَانِيَّةٌ جَامِعَةٌ" تَتَّسِقُ مَعَ الثَّالُوثِ الْأَقْدَسِ: الْآبِ، وَالِابْنِ، وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. فَاللهُ وَاحِدٌ فِي الْجَوْهَرِ، وَلَكِنَّهُ ثَلَاثَةُ أَقَانِيمَ مُتَمَايِزَةٍ فِي الْعَلَاقَاتِ وَالْعَمَلِ، وَهِيَ وَحْدَةٌ إِلَهِيَّةٌ كَامِلَةٌ وَشَامِلَةٌ تُعَبِّرُ عَنْ طَبِيعَةِ اللهِ الْفَرِيدَةِ. هي وَحْدَانِيَّةٌ تَتَّصِفُ بِكُلِّ الصِّفَاتِ الْإِيجَابِيَّةِ اللَّائِقَةِ بِهَا، وَوَحْدَانِيَّةٌ لَهَا مُمَيِّزَاتٌ خَاصَّةٌ بِهَا، تُنْشِئُ بِسَبَبِهَا، بَيْنَهَا وَبَيْنَ ذَاتِهَا، عَلَاقَاتٍ خَاصَّةً مُنْذُ الْأَزَلِ، وَإِلَى الْأَبَدِ. لِذَلِكَ، لَا يُقْصَدُ بِوَحْدَانِيَّةِ اللهِ الْجَامِعَةِ الْمَانِعَةِ أَنَّ هُنَاكَ آلِهَةً مَعَ اللهِ، أَوْ أَنَّ هُنَاكَ تَرْكِيبًا فِي ذَاتِهِ، بَلْ يُقْصَدُ بِهَا أَنَّ ذَاتَهُ الْوَاحِدَةَ الَّتِي لَا تَرْكِيبَ فِيهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ، هِيَ بِنَفْسِهَا جَامِعَةٌ مَانِعَةٌ، أَيْ تَتَمَيَّزُ بِكُلِّ الْمُمَيِّزَاتِ الرُّوحِيَّةِ اللَّائِقَةِ بِكَمَالِهَا، وَاسْتِغْنَائِهَا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ غَيْرِهَا مُنْذُ الْأَزَلِ.

وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ فَلَيْسَ فِي إِسْنَادِ هَذِهِ الْوَحْدَانِيَّةِ إِلَى اللهِ، مَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ لَهُ شَرِيكًا أَوْ بِهِ تَرْكِيبٌ, بل كما يعلم الكتاب المقدس عن الله الواحد الذي لا شريك له في الألوهية قائلاً:

هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ وَفَادِيهِ، رَبُّ الْجُنُودِ: «أَنَا الأَوَّلُ وَأَنَا الآخِرُ، وَلاَ إِلهَ غَيْرِي. (إشعياء ٤٤: ٦)

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com