الأصحاح
الخامس
أولاً:
تحذير من العبادة الشكلية الكلامية الخالية من المضمون
التقوى
والتصريحات ونطق الشفاه
(ع1-7)
(2)
بعدما تحوّل سليمان من تقلبات الإنسان إلى عظمة
الله الثابتة (ص4)، حثّ قرَّاءه على التأمل في البيت الذي بناه لله، وهيبة وجلال
محضر الله، والسلوك الذي يجب التحلّي به احترامًا لذلك البيت. فتحدث أولاً عن أنه يجب ألا يكون هناك أي تمرد في
محضر الله (ع1)، ويواصل حديثه مُعلنًا أنه:
يجب ألا يكون هناك أي تسرع أو اندفاع في محضر الله (ع2، 3):
من الواضح أن سليمان – وهو يكتب هنا – كان يُقدِّر
عظمة الله ورهبته، بالمقارنة مع تفاهة الإنسان ولا شيئيته. وهكذا يُحرضنا: «لاَ تَسْتَعْجِلْ فَمَكَ
وَلاَ يُسْرِعْ قَلْبُكَ إِلَى نُطْقِ كَلاَمٍ قُدَّامَ اللهِ، لأَنَّ اللهَ فِي
السَّمَاوَاتِ وَأَنْتَ عَلَى الأَرْضِ، فَلِذلِكَ لِتَكُنْ كَلِمَاتُكَ قَلِيلَةً»
(ع2). إنه يُقدِّم لنا تعليمًا حول أهمية
الإدراك العملي لمخافة الله وهيبته. هذه
المخافة ينبغي أن تُمارس بشكل أوسع في اجتماعات شعبه. وهكذا يُبرز سليمان أهمية التروي والوقار عند
الحديث مع الله، سواء في الصلاة أو العبادة.
والقصد هو تجنب الطيش أو الاندفاع في الكلام أمام الله، مع إدراك عظمته
ومكانته الإلهية مقابل محدودية الإنسان.
إن فترات الصمت (سِلاَهْ)، بين الترنيمات، أو بين
الصلوات، لازمة للتفكر فيما قيل، وهذا يُتيح فرصة أيضًا للتواصل مع الرب، وتمييز
إرشاد الروح القدس.
والكلمات هي الوسيلة لنقل الأفكار، وبالتالي تكشف
لنا قلب الإنسان. وهكذا علَّمنا الرب يسوع
عندما خاطب الفريسيين قائلاً: «يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي! كَيْفَ تَقْدِرُونَ أَنْ
تَتَكَلَّمُوا بِالصَّالِحَاتِ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ؟ فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْب يَتَكَلَّمُ
الْفَمُ. اَلإِنْسَانُ الصَّالِحُ مِنَ
الْكَنْزِ الصَّالِحِ فِي الْقَلْب يُخْرِجُ الصَّالِحَاتِ، وَالإِنْسَانُ
الشِّرِّيرُ مِنَ الْكَنْزِ الشِّرِّيرِ يُخْرِجُ الشُّرُورَ» (مت12:
34، 35). والربط بين كلام الإنسان،
وما في قلبه، يُظهر أن العبادة الحقيقية ليست مجرد كلمات تُقال، بل هي انعكاس
لحالة القلب. لذلك، يدعونا الرب يسوع، وأيضًا سليمان، إلى التواضع، التأمل،
والتنقية الداخلية، لكي تكون كلماتنا وتصرفاتنا، أمام الله، تعبيرًا صادقًا عن
قلوب تخشى الله وتُقدِّره.
كم هو أمر خطير أن يتكلَّم الإنسان في حضرة الله بتسرع
واندفاع. ففي الصلوات، يجب أن يكون لدينا
اعتبار وإدراك عمن هو الذي نُحاطبه. ويجب
أن المُصلي لا ينطق بما يخطر في ذهنه أولاً، بشكل عشوائي، وبدون تفكير. وهذا لا يعني أن الصلاة ينبغي ألا تكون عفوية
وتلقائية وبدون تحفظ. وهذا لا يعني أيضًا
أن تكون الصلوات سابقة الإعداد، أو مُتكررة ومحفوظة. ولكن هذا يعني أولاً أن نتعلَّم كيف نُخاطب
الله، بعبارات من أكثر الألفاظ احترامًا ووقارًا، وبأفضل أسلوب مُمكن. والكلمات والعبارات يجب ألا تكون عامية
وسوقية. ولا يجب تبرير ذلك بأن هذه
الصلوات “نابعة من القلب“. فها هو سليمان
يُجيبنا أن صلواتنا يجب أن تفيض من قلب تعلَّم التواضع والوقار في حضرة الله.
إننا إذا كنا نتمتع بامتياز أن نأتي باحتياجاتنا
وطلباتنا إلى ”البيت الأبيض“ أو ”قصر بيكنجهام“، فمن المؤكد أننا سنرتب ما سنقوله
بكل عناية، وسنلتزم بالسلوك اللائق؛ فكم بالحري يكون الأمر أكثر أهمية عندما نأتي
إلى عرش الله القدير؟
ومن الضروري أن يكون هناك تفكير جاد حول ما نطلبه
في صلواتنا، من الله. فالصلوات يجب أن
تكون مُتفقة مع مطاليب الله. وما أروع أن
نتأمل في صلوات الرسول بولس، وخاصة عندما نُلاحظ أنه صلى دائمًا من أجل التقدّم الروحي،
والنمو في النعمة، وليس من أجل الأمور المادية والاحتياجات الجسدية، في المقام
الأول.
لقد علَّمنا الرسول بولس أنه «لَنَا ... ثِقَةٌ
بِالدُّخُولِ إِلَى الأَقْدَاسِ، بِدَمِ يَسُوعَ» (عب10: 19). وصحيح أن كلمة ”ثِقَة (boldness)“ تعني
”الجرأة والشجاعة والحرية، وعدم تحفظ الكلام“، ولكن هذه الجرأة المُقدسة والحرية،
لا تعني عدم الاحترام أو الطياشة والجرأة الوقحة، بل تعني أن المؤمنين يُمكنهم
الاقتراب بثقة تامة، وبجرأة مُقدسة، وليس بخوف مُذل، وذلك لأن خطاياهم قد غُفِرَت إلى
الأبد: «وَلَنْ أَذْكُرَ خَطَايَاهُمْ وَتَعَدِّيَاتِهِمْ فِي مَا بَعْدُ» (عب10:
17). إنهم لا يقفون دون مخافة شديدة، ولكن
يمكنهم الاقتراب بجرأة مقدسة.
وهكذا ينبغي أن تُوَّجه قلوب المؤمنين، نحو احترام
الله في صلواتهم ومخاطبتهم له، بحيث تكون لغة الصلاة انعكاسًا لروح التواضع
والتقدير. فالصلاة ليست مجرد طلبات تُرفع،
بل وسيلة للنمو الروحي وتعميق العلاقة مع الله، مستندة إلى الثقة بعمل المسيح
الكفاري.
«لاَ تَسْتَعْجِلْ فَمَكَ وَلاَ يُسْرِعْ
قَلْبُكَ إِلَى نُطْقِ كَلاَمٍ قُدَّامَ الله» (ع2)؛ ويُعطينا الجامعة السبب
الذي يستند عليه في هذا التعليم، فيقول: «لأَنَّ اللهَ فِي السَّمَاوَاتِ
وَأَنْتَ عَلَى الأَرْضِ، فَلِذلِكَ لِتَكُنْ كَلِمَاتُكَ قَلِيلَةً»
(ع2). فعلينا تعلُّم ضرورة تبجيل واحترام
ومخافة الرب ، بسبب شخصه، ومَن هو في صفاته.
وعبارة سليمان تُشير إلى أهمية مخافة الله، بسبب مركزه ومكانه وموقعه في السَّمَاوَاتِ،
وهو ما يعزز الشعور بالرهبة والوقار. فإذا
كان الاحترام واجبًا لشخص الله بسبب عظمته، فهو واجبٌ أيضًا بسبب علو مكانته.
ولدينا في الكتاب، أمثلة عديدة على التواضع في حضرة
الله:
* إبراهيم، مع أنه ”دُعِيَ خَلِيلَ
اللهِ“ (يع2: 23)، إلا أنه اعترف بضعفه أمام الله قائلاً: «إِنِّي قَدْ شَرَعْتُ
أُكَلِّمُ الْمَوْلَى وَأَنَا تُرَابٌ وَرَمَادٌ» (تك18: 27). لقد كان لديه إدراك لضعفه وحقارته في جلال ومهابة
حضرة الله القدير.
* داود، عندما تأمل في عظمة وروعة خليقة
الله، تسائل مندهشًا: «إِذَا أَرَى سَمَاوَاتِكَ عَمَلَ أَصَابِعِكَ، الْقَمَرَ
وَالنُّجُومَ الَّتِي كَوَّنْتَهَا، فَمَنْ هُوَ الإِنْسَانُ حَتَّى تَذكُرَهُ؟
وَابْنُ آدَمَ حَتَّى تَفْتَقِدَهُ؟» (مز8:
3، 4). وعكس السؤال إدراك داود لصغر شأن
الإنسان، مقارنة بجلال الله ومحبته.
* إشعياء عندما رأى نفسه في حضرة
قداسة الله المهيبة، صرخ معترفًا: «وَيْلٌ لِي! إِنِّي هَلَكْتُ، لأَنِّي
إِنْسَانٌ نَجِسُ الشَّفَتَيْنِ، وَأَنَا سَاكِنٌ بَيْنَ شَعْبٍ نَجِسِ الشَّفَتَيْنِ،
لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ رَأَتَا الْمَلِكَ رَبَّ الْجُنُودِ» (إش6: 5). ويكشف هذا الموقف مدى تأثير قداسة الله في كشف
خطية الإنسان وضعفه.
«لاَ تَسْتَعْجِلْ فَمَكَ وَلاَ يُسْرِعْ
قَلْبُكَ إِلَى نُطْقِ كَلاَمٍ قُدَّامَ اللهِ، لأَنَّ اللهَ فِي السَّمَاوَاتِ
وَأَنْتَ عَلَى الأَرْضِ، فَلِذلِكَ لِتَكُنْ كَلِمَاتُكَ قَلِيلَةً» (ع2)؛ إن قول
سليمان يُعلّمنا بعض الدروس العملية: فالوعي بعظمة الله ومكانته، وتذكّر أن الله
في السَّمَاوَاتِ، والإنسان على الأرض، يهدف إلى تعليمنا التواضع والوقار. فهو إله فوق كل شيء، يرى كل شيء، ويملك السيادة
المطلقة. وتقديرنا لعظمة الله، يضع
الإنسان في مكانه الصحيح، ويدعو إلى الاقتراب منه بتواضع وخشوع. وإدراك موقعنا كخليقة أمام الخالق، يُشجعنا على
تقديم عبادتنا وكلماتنا بعناية واحترام. وكما
فعل إبراهيم وداود وإشعياء، يجب أن ندرك دومًا عظمة الله مقارنة بضعفنا. والصلاة والتأمل في عظمة الخلق وحضور الله
يساعداننا على البقاء في حالة من التواضع والخشوع.
ولأن «اللهَ فِي السَّمَاوَاتِ»، فهو كاشف
لقلوبنا، لذا فلننتبه لما نقوله في الترانيم والتشكرات والعظات، ولنسأل أنفسنا: هل
نعني هذا فعلاً؟ أم اعتدنا فقط ترديده
بالشفاه؟
وهكذا خلص سليمان إلى: «لِذلِكَ لِتَكُنْ
كَلِمَاتُكَ قَلِيلَةً» (ع2). ويا له
من توبيخ لأولئك الذين يقتربون من الله، مُكرّرين صلوات لا للزوم لها، وبلا تفكير
أو معنى، مُرتبين الكلمات في قصائد وقافية، مُقدّمين أفكار غير مُدركة! هذا التعليم يذكرنا بأهمية أن تكون الصلاة
مفعمة بالمعنى والتأمل.
ويُعلّمنا سليمان أيضًا أن الاقتصاد في الكلمات، ضرورة
في الصلوات العامة. أحيانًا تكون الصلاة
الطويلة المتعرجة، مصدر تعب للمستمعين في الاجتماعات. فكيف تبدو في أذني الله؟
وجدير بالملاحظة أن سليمان هو مَن نطق بأطول صلاة
شخصية في الكتاب المقدس، وكان ذلك بمناسبة تدشين الهيكل (1مل8؛ 2أخ6). ويمكن قراءة هذه الصلاة بشكل مريح في حوالي سبع
دقائق. بينما كانت أطول صلاة جماعية، هي
صلاة اللاويين في نحميا 9.
ومن حيث الصلاة السرية وليس العلنية، يمكن اتباع مثال
صلاة صموئيل السرية، عندما «صَرَخَ إِلَى الرَّبِّ اللَّيْلَ كُلَّهُ» (1صم15:
11). ولكن مثالنا الكامل هو الرب يسوع،
الذي «خَرَجَ إِلَى الْجَبَلِ لِيُصَلِّيَ. وَقَضَى اللَّيْلَ كُلَّهُ فِي الصَّلاَةِ للهِ»
(لو6: 12).
ولكن لنتذكر أيضًا روعة وعذوبة بعض الصلوات القصيرة
التي قدمها بعض رجال الله عند تمتعهم بالنجاة والخلاص والإنقاذ: لقد استُجيبت صلاة
بطرس القصيرة: «يَارَبُّ، نَجِّنِي!» (مت14: 30).
واستجابة مثل هذه الصلاة، برهان على أن التطويل والإسهاب ليس مطلوبًا من أجل
أن يسمع الله، ويستجيب الصلاة.
وهكذا يُقدِّم لنا سليمان تشبيهًا جميلاً بين
الأحلام وكثرة الكلام: «لأَنَّ الْحُلْمَ يَأْتِي مِنْ كَثْرَةِ الشُّغْلِ،
وَقَوْلَ الْجَهْلِ مِنْ كَثْرَةِ الْكَلاَمِ» (ع3)؛ فعندما يكون الرَّجُل منهمكًا
في العمل واتخاذ القرارات، تحت ضغوط ثقيلة، قد يجد صعوبة أن يتوقف (switch off)، عندما
يستلقي للراحة. عندئذٍ يظل عقله في دوامات،
وأفكاره تستمر في الدوران، وهكذا يظل يحلم الأحلام المضطربة. والنتيجة استحالة النوم الجيد ليلاً. فكما أن الأحلام الكثيرة تُبين أن الشخص النائم
يبذل جهدًا شائقًا في العمل، هكذا أيضًا الكلمات الكثيرة تُبين أن الشخص الذي
يُصلي جاهل «أَرَأَيْتَ إِنْسَانًا عَجُولاً فِي كَلاَمِهِ؟ الرَّجَاءُ بِالْجَاهِلِ أَكْثَرُ مِنَ
الرَّجَاءِ بِهِ» (أم29: 20). وهكذا يرسم لنا
سليمان المقارنة بين هذه الحالة، وبين الغبي الجاهل، وصلاته المُملَّة المُطوَّلة،
وهكذا كتب: «لأَنَّ الْحُلْمَ يَأْتِي مِنْ كَثْرَةِ الشُّغْلِ، وَقَوْلَ
الْجَهْلِ مِنْ كَثْرَةِ الْكَلاَمِ» (ع3).
إن الإسهاب والقدرة على الكلام الكثير، والإطناب والإطالة، ليست مؤشرات على
الحكمة. وقد شرح ”جيل“ هذه الآية (ع3)
بالقول: “إن كلمات الجاهل الأحمق، تُماثل أحلام الرَّجُل المُتعَب؛ مُشوَّشة، مُشتَّتة،
مُتَّشعبة، مُرتبكة، متنافرة، غير مترابطة“.
جيد أن نعتاد التركيز فيما ننطقه بشفاهنا، وعدم
الإكثار فيه. ولنتحذر من كثرة الترنيمات
في اتجاهات متعددة لا تحمل فكرًا متجانسًا، وكذا الإطالة في التشكرات، وشرح معاني
الآيات، وكأن إلهنا – الذي نسجد له – في حاجة إلى الشرح!
والخلاصة: إن الصلاة العامة يجب أن تكون مختصرة
وهادفة، مع احترام المستمعين ومراعاة حضور الله.
بينما الصلاة الخاصة هي مجال للتواصل العميق والحر مع الله، مع إمكانية
الإطالة في الوقت، وليس الكلمات الفارغة.
وكلمات قليلة مليئة بالمعاني، لهي أفضل من صلوات طويلة بلا هدف. ويجب أن تكون الصلاة انعكاسًا لفكر متزن وقلب
واعٍ بحضور الله.
وللحديث
بقية ... إن شاء الرب وعشنا.