عدد رقم 6 لسنة 2024
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
المرأة الشونمية  

(2مل4: 8-37؛ 8: 1-6)

إنها المرأة التي ليس لها اسم.  امرأة مذكورة في سفر الملوك الثاني، تركت بصمة بل حُفر اسمها في التاريخ، تخليدًا وتكريمًا لما فَعَلته، في عيني رجل الله.  امرأة لم تكن من العائلة الملوكية، لها رتبة عظيمة، غِنًى فاحش أو حتى مكانة اجتماعية.  لم تكن من دُعاة المعرفة أو الحرفة، لم يذكُر الكتاب المقدس أنها كانت في غاية الجمال، مثل سارة أو أستير أو بثشبّع.  لم تُخلّص شعبها كما فعلت أستير، ولم تقد شعبها إلى الله كما فعلت السامرية.  ولم يُذكر أنها كانت قاضية كدبورة، ولم يكن لديها طفل أصبح عظيمًا مثل حنَّة أو يوكابد أم موسى النبي، حتى إنه لم يُذكر اسمها.  أَوَ ليس عجيبًا أن الكتاب المقدس يذكر في القصة السرير والكرسي والمنارة والخوان، ولكن لم يذكر اسم هذه المرأة، حتى أن أليشع كان يدعوها بـِ”الشونمية“ (ع36)؟!  وشُونَم تسمى اليوم سولم وهي بلدة قريبة من العفولة والناصرة، مدينة في تخم يساكر بالقرب من يزرعيل (يش19: 18)، ومعنى اسم ”شونم“ هو ”راحتان“، حيث كان رجل الله أليشع يجد راحته في بيتها، وتجد هي راحتها في وجود رجل الله وفي الشركة معه. 

أولاً: عظمتها                                          ثانيًا: مكافأتها                               ثالثًا: شهادتها

أولاً: عظمتها:  ما أعظم أن يدعوها الكتاب المقدس ”امرأة عظيمة“، مع أن العظمة لله وحده، ولكن مَن يقترن بالله ويتقيه، ينال العظمة منه.  لقد كان شَبَع هذه المرأة في الرب وحدهُ. هي مدرسة نستطيع أن نتعلم منها دروسًا قيّمة لحياتنا:

* عظيمة في خدمتها:  كانت خدمة الشونمية خدمة مُحدّدة وهادفة ومُميزة.  كانت خدمتها أن تُكرم، وتخدم وتُريح رجل الله وتُباركه.  امرأة كانت لديها بصيرة روحية نفّاذة، ونظرة ثاقبة وبُعد روحي.

* عظيمة في ضيافتها: «وَفِي ذَاتِ يَوْمٍ عَبَرَ أَلِيشَعُ إِلَى شُونَمَ ... فَأَمْسَكَتْهُ لِيَأْكُلَ خُبْزًا. وَكَانَ كُلَّمَا عَبَرَ يَمِيلُ إِلَى هُنَاكَ لِيَأْكُلَ خُبْزًا» (2مل4: 8) .  لقد اتصفت هذه المرأة بأنها امرأة مضيافة،  بل جادة في ضيافتها إذ ”أَمْسَكَتْهُ“، وكانت مستمرة في  ضيافتها ”وَكَانَ كُلَّمَا عَبَرَ يَمِيلُ إِلَى هُنَاكَ لِيَأْكُلَ خُبْزًا“.  كما إنها مُميِّزة في ضيافتها، إذ عملت له «عُلِّيَّةً عَلَى الْحَائِطِ صَغِيرَةً»، ووضعت له كل ما يلزم لإراحته: «وَضَعت لَهُ هُنَاكَ سَرِيرًا وَخِوَانًا (منضدة) وَكُرْسِيًّا وَمَنَارَةً».   

* عظيمة في حكمتها:  كانت تستشير زوجها (ع9)، وكانت لديها محبة عميقة لله ولزوجها وللآخرين.  كانت مثالاً رائعًا في المحبة والخضوع وهي مثال رائع في الزواج أيضًا، وقصتها تثبت حكمتها التي تتضح في تقديرها ومشورتها لزوجها في كل ما تفعل، في الرحب: «قَالَتْ لِرَجُلِهَا: ... فَلْنَعْمَلْ عُلِّيَّةً ... وَنَضَعْ لَهُ ... حَتَّى إِذَا جَاءَ إِلَيْنَا يَمِيلُ إِلَيْهَا» (ع9، 10).  وفي وقت المحن «نَادَتْ رَجُلَهَا وَقَالَتْ: أَرْسِلْ لِي وَاحِدًا مِنَ الْغِلْمَانِ وَإِحْدَى الأُتُنِ» (ع22).  فلم تستقل في رأيها، ولم تبادر بما تفعله، لكنها رجعت أولاً إلى زوجها، فحكمتها تتضح في خضوعها لزوجها باعتباره رأسًا لها.  كانت بارعة في الكلام، سَلسة في التعبير، وكلماتها حكيمة ممزوجة بأخلاقيات عالية مرتفعة.

* عظيمة في تمييزها:  «فَقَالَتْ لِرَجُلِهَا: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ رَجُلَ اللهِ، مُقَدَّسٌ الَّذِي يَمُرُّ عَلَيْنَا (وليس عليّ)  دَائِمًا» (ع9).  لقد ميزت هذه المرأة العظيمة قداسة وهيبة رجل الله أليشع من مجرد مروره، وعلمت أنه يليق به التوقير والإكرام، فعملت له كل ما يحفظ هيبته وقداسته.  إذ عملت له علية صغيرة على الحائط.

* عظيمة في وقارها وحيائها:  وهذا يتضح من القول: «فَقَالَ: ادْعُهَا.  فَدَعَاهَا، فَوَقَفَتْ فِي الْبَابِ» (ع15).  وفي هذا يوصي بولس بالروح القدس النساء: «وَكَذلِكَ أَنَّ النِّسَاءَ يُزَيِّنَّ ذَوَاتِهِنَّ بِلِبَاسِ الْحِشْمَةِ، مَعَ وَرَعٍ وَتَعَقُّل ... كَذلِكَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ النِّسَاءُ ذَوَاتِ وَقَارٍ» (1تي2: 9؛ 3: 11).

* عظيمة في تواضعها:  ومع هذه الأخلاقيات ظهرت حياة التواضع أيضًا.  لقد أدركت أنها موجودة لهدف خدمة بيتها ورجل الله (مت10: 41).  أيّة خدمة قدمتها كانت نابعة من قلب مملوء بالمحبة، حتى ولو كانت صغيرة، فالله ينظر لها (مت10: 42).  وهذا يظهر من خلال كلامها مع النبي أليشع، إذ كانت تدعو أليشع بلقب ”سَيِّدي“ وهي ”جارية“، فقالت: «لاَ يَا سَيِّدِي رَجُلَ اللهِ.  لاَ تَكْذِبْ عَلَى جَارِيَتِكَ» (ع16).  وفي وقت التجربة «لَمَّا جَاءَتْ إِلَى رَجُلِ اللهِ إِلَى الْجَبَلِ أَمْسَكَتْ رِجْلَيْهِ (علامة الإذلال والمسكنة).  فَتَقَدَّمَ جِيحْزِي لِيَدْفَعَهَا (فلم تُعنّفه ولم تقذفه بالشتائم والصيحات)» (ع27).

* عظيمة في قناعتها: إنها امرأة عظيمة في النبل والاكتفاء.  لم تطلب شيئًا عندما سألها رجل الله.  كانت راضية، وقالت: «إِنَّمَا أَنَا سَاكِنَةٌ فِي وَسْطِ شَعْبِي» (ع13).  قدّرت ما عندها بكل اقتناع واكتفاء (في4: 11).  لكن الرب نَظر لها، لأنه وعد بأن يُكرم الذين يكرمونه (1صم2: 30)، فوهبها ابنًا حتى دون أن تطلب.  هذا ما يفعله الرب عندما نحيا لكي نكرمهُ ونمجده؛ هو يكافئ.

* عظيمة في سلامها: إن التمتع بروح السلام ينتج عن إيمان حي بشخص الرب لأنه وحدهُ يمنح السلام. هذا السلام هو الذي يجعلك مطمئنًا وآمنًا أينما كنت وبأي ظرف تمر به «فَقَالَتْ: سَلاَمٌ» (ع25).  إن ايمانها جعلها عظيمة في مواجهة المِحنة، فعندما مات ابنها أصيبت بفاجعة، فوضعتهُ بين ذراعيها وذهبت به إلى رجل الله. هي كانت امرأة صلبة الإرادة، تملك إيمانًا لا يتزعزع في وسط العواصف وذلك لأن لديها ثقة شديدة بالله، مما جعلها تتمتع بسلام داخلي. كانت تحب الله محبة لا تستطيع تجارب هذه الحياة أن تطفئها ولا المِحَن أن ترخيها.

* عظيمة في نشاطها: بعد موت ابنها، قالت لرَجُلَهَا: «أَرْسِلْ لِي وَاحِدًا مِنَ الْغِلْمَانِ وَإِحْدَى الأُتُنِ فَأَجْرِيَ إِلَى رَجُلِ اللهِ وَأَرْجعَ ... وَشَدَّتْ عَلَى الأَتَانِ، وَقَالَتْ لِغُلاَمِهَا: سُقْ وَسِرْ وَلاَ تَتَعَوَّقْ لأَجْلِي فِي الرُّكُوبِ إِنْ لَمْ أَقُلْ لَكَ.  وَانْطَلَقَتْ حَتَّى جَاءَتْ إِلَى رَجُلِ اللهِ إِلَى جَبَلِ الْكَرْمَلِ» (ع23-25).

* عظيمة في إيمانها: إيمانها يظهر في تعلقها وثقتها برجل الله ذاته، لا عكازه «فَقَالَتْ أُمُّ الصَّبِيِّ: «حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ، وَحَيَّةٌ هِيَ نَفْسُكَ، إِنِّي لاَ أَتْرُكُكَ» (ع30).  وكانت تؤمن أن ابنها سيقوم.  نستطيع أن نرى في هذه المرأة عظمة الله وقدرته الفائقة في حياتها رغم كل الأحوال والظروف التي أحاطت بها كما أن كاتب العبرانيين يسترشد بإيمانها من ضمن النساء  اللاتي بالإيمان أخذن أمواتهن بقيامة (عب11: 35).

* عظيمة في شكرها: فقبل أن تأخذ العطية شكرت، فنقرأ: «وَلَمَّا دَخَلَتْ إِلَيْهِ قَالَ: «احْمِلِي ابْنَكِ».  37 فَأَتَتْ وَسَقَطَتْ عَلَى رِجْلَيْهِ وَسَجَدَتْ إِلَى الأَرْضِ، ثُمَّ حَمَلَتِ ابْنَهَا وَخَرَجَتْ» (ع36، 37).

* عظيمة في خضوعها وطاعتها: عندما دعا الرب بجوع سبع سنين على أرض إسرائيل، قبلت هذا الأمر، وعندما أمرها رجل الله أليشع بأن تتغرب بعيدًا عن أرضها وبيتها وحقلها، سبع سنين، أطاعت «فَقَامَتِ الْمَرْأَةُ وَفَعَلَتْ حَسَبَ كَلاَمِ رَجُلِ اللهِ، وَانْطَلَقَتْ هِيَ وَبَيْتُهَا وَتَغَرَّبَتْ فِي أَرْضِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ (أعداء الشعب) سَبْعَ سِنِينٍ.  وَفِي نِهَايَةِ السِّنِينِ السَّبْعِ رَجَعَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ أَرْضِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ» )2مل8: 2، 3).

ثانيًا: مكافأتها:

كانت هذه المرأة عاقرًا ورَجُلُهَا قد شَاخَ، خدمت رجل الله وأكرمته، فهل ينسى الرب عملها وتعب محبتها؟  أكرمها الرب بابن فد أزال عارها، وفي هذا عرفت الرب كمن صاحب الحياة الذي «يَدْعُو الأَشْيَاءَ غَيْرَ الْمَوْجُودَةِ كَأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ» (رو4: 17).  لقد فرحت به وملأ البيت بهجة وسرورًا.  لكن ذات يوم مات، فكشف لها الرب عن مجد آخر، إذ عرّفها شخصه كإله القيامة، الذي «الَّذِي يُحْيِي الْمَوْتَى»، فأخذته بقيامة رو4: 17؛ عب11: 35).  وفي وقت الضيق والمحن عرفت هذا كالإله كصاحب السلطان، فعندما خرجت لتصرخ للملك لأجل بيتها وحقلها، استخدم الرب جيحزي والملك والخصي لتعويضها ورد ما فُقد منها.  حقًا إن «الرَّبَّ إِلهُ مُجَازَاةٍ يُكَافِئُ مُكَافَأَةً» (إر51: 56).

ثالثًا: شهادتها:

ما أعظم ما يشهده الوحي عنها على صفحاته!  إذ يسجل عظمتها، بل يسجل كل ما عملته تذكارًا لها، بل والروح القدس في العهد الجديد يستشهد بإيمانها كدعامة لكل من يمر في تجربة ومحنة.  ترى ماذا عن شهادتنا؟  ماذا عن سيرتنا؟

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com